أستراليا تراهن على تعزيز الوظائف بالذكاء الاصطناعي لا أتمتتها

|الكاتب: فريق تحرير QUASA|5 دقيقة للقراءة| 1
أستراليا تراهن على تعزيز الوظائف بالذكاء الاصطناعي لا أتمتتها

أطلقت هيئة Jobs and Skills Australia تقريرها عن الوظائف والمهارات خلال فعالية وطنية في 20 أكتوبر 2026. ويعرض البيان الوزاري المشترك نتائج التقرير: أثر الذكاء الاصطناعي حتى الآن أقرب إلى تعزيز عمل البشر منه إلى أتمتة المهن، ونحو 93% من نمو التوظيف المتوقع سيكون في مهن تتطلب مؤهلات بعد المدرسة. وقالت وزيرة العمل أماندا ريشورث عن القوى العاملة المستقبلية: «Our future workforce needs to be adaptable».

تمنح بيانات التقرير التفصيلية هذا التوجه حجمه وحدوده: يُقدَّر عدد الأستراليين الذين يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي في حياتهم اليومية بنحو 13.6 مليون، وترتفع نسبة الاستخدام إلى 74% بين من تتراوح أعمارهم بين 25 و34 عاماً وإلى 72% بين من تتراوح أعمارهم بين 35 و49 عاماً. وفي الشركات التي يقل عدد موظفيها عن خمسة، يقارب التبني 31%، مقابل نحو 70% في الشركات التي توظف بين 200 و500 شخص. هكذا يجمع التقرير بين انتشار التقنية لدى الأفراد وتفاوت قدرة المؤسسات على إدخالها في العمل.

فجوة التبني تتجاوز حجم الشركة

مقارنة بين تفاوت تبني الذكاء الاصطناعي في الشركات الأسترالية الصغيرة والكبيرة وبين المناطق الإقليمية والحضرية.

تظهر الفجوة أيضاً بين المدن والمناطق الأسترالية: يبلغ تبني الذكاء الاصطناعي بين الشركات في المناطق الحضرية 42%، مقابل 30% في المناطق الإقليمية. وتبقى الشركات الحضرية أكثر تبنياً عبر فئات الأحجام المختلفة. لذلك لا تختزل مقارنة الشركات الكبيرة والصغيرة أثر الموقع؛ فقد يختلف الوصول إلى الأدوات والمهارات حتى بين مؤسسات متقاربة الحجم.

يربط التقرير هذا التفاوت بإمكان الوصول إلى رأس المال والبنية الرقمية وقدرات العاملين. فإدخال أداة إلى مؤسسة يقتضي أكثر من إتاحتها للموظفين: يلزم تحديد المهام المناسبة لها، وتدريب من يستخدمها، والإبقاء على الحكم المهني حيث تتطلب النتيجة فهماً للسياق. وقد تستفيد المؤسسة الكبيرة من موارد متخصصة لتنظيم ذلك، بينما تواجه الشركة الأصغر القرار نفسه بموارد أقل.

وتختلف فرص الاستفادة بحسب النشاط الاقتصادي أيضاً. ويسجل التقرير انتشاراً أعلى للتبني في الخدمات والتعدين، ثم الصحة والتعليم والتجزئة والتصنيع، مع مستوى أدنى في الزراعة والغابات وصيد الأسماك. هذه أنماط تبنٍّ في الاقتصاد الأسترالي، وليست ترتيباً ثابتاً لقدرة القطاعات على تحقيق مكاسب من التقنية؛ فتكوين الشركات ونوعية المهام والاستثمار المتاح تؤثر جميعاً في النتيجة.

التأهيل بعد المدرسة لا يعني مساراً واحداً

يتعلق توقع نمو المهن المؤهلة بالوظائف التي يُرجح أن تنمو، لا بمصير كل وظيفة قائمة. ويعرض التقرير التعليم العالي والتدريب المهني والتلمذة المهنية بوصفها مسارات مختلفة إلى العمل الماهر. فالطلب على مؤهل بعد المدرسة لا يساوي بالضرورة الطلب على شهادة جامعية؛ بعض المهن تحتاج إلى إعداد تطبيقي أو تدريب مرتبط بمهنة محددة.

وفي قراءة مجلس عمداء الآداب والعلوم الاجتماعية والإنسانية للتقرير، يبقى التعليم العالي مهماً، لكن مسارات خريجي تخصصات المجتمع والثقافة معرضة لتغير المهام بفعل الذكاء الاصطناعي. ويفصّل التقرير أن التعرض للتقنية يختلف حتى بين المهن التي ينتقل إليها خريجو المجال نفسه: قد ترتفع قابلية بعض المهام للتعزيز مع بقاء أتمتة المهنة كاملة أقل ترجيحاً. لذلك لا يكفي اسم التخصص وحده لتقدير ما سيحتاجه الخريج بعد دخوله سوق العمل.

وتساعد هذه التفرقة على فهم اختيار أستراليا تعزيز العمل. فعندما تتغير طريقة أداء جزء من الوظيفة، يظل العامل مسؤولاً عن تقدير الملاءمة ومراجعة الناتج وربطه بمتطلبات المهنة. وفي المجالات التي تجمع معرفة متخصصة وتعاملًا بشرياً أو قرارات تعتمد على السياق، تصبح القدرة على استخدام الأداة مع الخبرة القائمة أهم من تصور انتقال العمل كله إليها.

التعلم أثناء العمل جزء من الاستجابة

متدرب بالغ يطوّر مهارة عملية في موقع تدريب مهني أسترالي بمساعدة مدرب.

لا يقتصر التحدي على إعداد الداخلين الجدد إلى سوق العمل. فالعامل الذي تتغير مهامه يحتاج إلى فرص لتطوير قدراته وهو مستمر في وظيفته، سواء عبر تدريب مهني منظم أو تعلم مرتبط بالمهمة داخل المؤسسة. ويشير التقرير إلى أن التعلم القصير والخبرة المتراكمة قد يضيفان قدرات يصعب قياسها أو الاعتراف بها بالطريقة التي تُقاس بها المؤهلات الرسمية.

وتكشف بيانات التعلم المرتبط بالعمل في التقرير توتراً بين الحاجة إلى تحديث المهارات والوقت المخصص لذلك: فقد انخفض وسيط ساعات التدريب السنوي بين المشاركين فيه من 28 ساعة في 2007 إلى 20 ساعة في 2024. والوسيط هنا يخص من تلقوا تدريباً، فلا يقيس وحده نسبة جميع العاملين الذين أتيحت لهم فرصة التعلم. لكنه يوضح لماذا لا يكفي توسيع برامج التأهيل الأولي إذا كان تطوير القدرات يتباطأ أثناء الحياة المهنية.

كما يتناول التقرير الاعتراف بالتعلم السابق ونقل الرصيد الدراسي بين التعليم المهني والعالي. فالعامل الذي يغير مساره قد يحمل مهارات اكتسبها من وظيفة أو برنامج سابق، لكن إعادة دراسة ما يعرفه تطيل الطريق إلى التأهيل المطلوب. ويرتبط أثر التدريب على الوظيفة أيضاً بطريقة تنظيم العمل: المهارة الجديدة لا تصبح مفيدة للمؤسسة إلا عندما تتاح للعامل مهمة يستخدمها فيها.

الدلالة لأسواق العمل العربية

بالنسبة إلى صناع سياسات العمل ومديري المهارات في المنطقة العربية، تقدم الحالة الأسترالية أسئلة للمقارنة، لا نسباً قابلة للنقل. أهمها ما إذا كان التدريب بعد المدرسة يصل إلى العاملين في المؤسسات الصغيرة وخارج المراكز الاقتصادية الكبرى، وما إذا كانت البرامج تستجيب للمهام التي تتغير لدى أصحاب العمل المحليين. وتتوقف الإجابة على بنية التعليم وحجم الشركات وتوزيع الوظائف في كل سوق.

وتجعل فجوة التبني الأسترالية قياس الاستخدام داخل المؤسسة مهماً بقدر قياس انتشار الأدوات بين الأفراد. فقد يستخدم العامل التقنية في حياته اليومية من دون أن يجد تدريباً مناسباً أو طريقة واضحة لتوظيفها في عمله. وبالمثل، يمكن أن يرتفع عدد المؤهلات الممنوحة من دون أن تتغير المهام المتاحة للخريجين. الفصل بين هذه المؤشرات يحافظ على وضوح السؤال السياسي: أين تتكوّن المهارة، وأين تُستخدم؟

وتبرز مسألة الاعتراف بالخبرة عند انتقال العامل بين برنامج تدريبي ووظيفة أو بين قطاعين. فإذا أمكن وصل التدريب الجديد بما يعرفه بالفعل، يصبح التعلم المستمر أقرب إلى احتياجات العمل. أما تقدير أثر الذكاء الاصطناعي على الوظائف في أي بلد عربي فسيحتاج إلى بياناته الخاصة عن تبني الشركات، ومشاركة العاملين في التدريب، والتغير الفعلي في مهامهم.

اقرأ أيضًا:

مشاركة:

اشترك في نشرتنا الإخبارية

احصل على أحدث أخبار الويب 3 والذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة مباشرة في بريدك.

0